القرآن.. علوم الروح وأسرار الكون

من الذي استطاع أن يدون هذه المخطوطة وبأي قلم وفى مثل هذا الحيز الخرافي.. إلا الخالق جل جلاله.. وصدق القرآن العظيم…

(مقتطف من المقال)

د. مصطفى محمود

القرآن

جاء الحديد الذي نعرفه بصلابته إذن بحقن سماوي للخام الأصلي في باطن الأرض وبفعل سماوي فوقي للنجوم المستعرة وبتعدين رباني!!!

ما زال القرآن.. كتاب المسلمين المعجز يتحدى العقول بعد ألف وأربعمائة عام من نزوله وكأنه نزل اليوم ليتحدث عن علوم اليوم وشواغل اليوم وأسرار اليوم وحروب اليوم..

وبين دفتيه سوف يفاجأ كل شغوف بعلوم الفلك والطبيعة والجيولوجيا والطب والتشريح والحياة بلمحات من هذه العلوم وبالجديد في علوم الباطن والنفس والروح وما وراء الطبيعة وبالجديد في عوالم الغيب وخفايا الزمان والمكان والمادة.. وبالجديد والمبهر في الأخلاق والدساتير والشرائع والأديان.

لم يكن أحد من العرب القدامى أيام الجاهلية يعلم شيئا عن البصمة المرسومة على طرف البَنَان والتي ينفرد بها كل مولود لتدل على شخصيته التي لا يشاركه فيها مخلوق حتى أخوه التوأم.. فإذا بكل إنسان له بصمته التي ينفرد بها.. فيقول ربنا في قرآنه المجيد عن يوم البعث الذي كان يشك فيه الجاهليون أن يوم القيامة سوف تقوم الأجساد من قبورها وسوف يعود الموتى إلى سالف هيئتهم.. ويقول لهذا الجاهلي الذي يشك في البعث.

أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ. بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ” (القيامة:3-4)

ويخص البنان بالتسوية لأنه الحامل للبصمة المعجزة الدالة على شخصيته المتفردة التي لا تتكرر والتي سوف تعود إليه يوم البعث.

هل كان العرب الأوائل يعلمون شيئا عن هذا؟.. لم يكونوا يعلمون.. ولم يكن يعلم العرب ولا الفرنجة في أوروبا ولا في أمريكا شيئا عن هذه البصمة.. فنزلت كلمات القرآن قبل 1400 سنه لتعلن عنها.. كانت البصمة التي على البنان إعلاما قرآنيا بحتا؟

هل كان علماء الأرض حينذاك يعلمون أن كل جبل له جذر ممتد تحت الأرض أكثر منه غلظة كالوتد ليزيده ثباتا “وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا“.. وأن هذه الجبال موزعة على محيط الأرض بشكل محسوب ومقدر كثقَّالات ليكون دوران الأرض منتظما.. وهذه قضية معلومة الآن في الميكانيكا والحركة.. أن هذه الثقالات الدائرة على الأطراف هي التي تنظم الحركة وتجعل الحركة منسابة غير قلقة.

… وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ…” (الحديد:25).. وتلك مفاجأة قرآنية أخرى فقد جاءنا الحديد من السماء.. وكان ذلك بعملية تعدين سماوي خاص لعنصر الحديد.. هكذا يقول القرآن.. ونعلم الآن أن ذلك يحدث بالفعل عن طريق انفجار النجوم المستعرة شديدة الحرارة (السوبر نوفا) وبسبب شدة حرارتها فإنها تقذف الى الأرض بدقائق ذرية مكهربه كالسهام تخترق الأرض وتصل إلى معادنها الباطنة وبفعل طاقتها الانفجارية الزائدة تؤدى الى تخلُّق الحديد بذراته المتدامجة المتماسكة شديدة الصلابة التي نعرفها فيعاد إنشاء جزيئات الحديد على هذه الصورة الصلبة المتدامجة.

جاء الحديد الذي نعرفه بصلابته إذن بحقن سماوي للخام الأصلي في باطن الأرض وبفعل سماوي فوقي للنجوم المستعرة وبتعدين رباني.. فهو مصنوع بإرادة ربانية وعناية خاصة ليكتسب هذه الصلابة الفائقة لتكون فيما بعد.. دبابات ومجنزرات وسيوفا ودروعا وأسلحة قتالية فتاكة.. ولماذا حدث هذا الترتيب والتدبير.. ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب.. إنه الامتحان لإيمان المؤمن وصلابته وثباته في الحروب ولدحر الكفار وهزيمتهم.

وشهد العالم على إعجاز القرآن!

وقد عشنا وسمعنا الرئيس الأمريكي كلينتون يعلن عن اكتشاف الجينوم البشرى عبر الإذاعات للعالم كله ويعلن عن فض رموز هذا الجينوم الذي يتألف من ثلاثة مليارات حرف كيميائي وهو ما يملأ خمسة ملايين صفحة مدونة وكل هذا في حيز صغير متناهي في الصغر في نواة الخلية (بضعة أجزاء من المللي) تحتوى على مقدرات هذا المخلوق الإنساني وصفاته البدنية وحظه من الصحة والمرض والقوة والضعف ومواهبه وملكاته وما سيجرى عليه من أحوال.. وكل هذا مدون بالتفصيل في مخطوطة شاملة لا تكاد ترى الا بميكروسكوب إلكرتوني.. معلومات تملأ خمسة ملايين صفحة في حيز متناهي في الدقة لا يرى ..

من الذي استطاع أن يدون هذه المخطوطة وبأي قلم وفى مثل هذا الحيز الخرافي.. إلا الخالق جل جلاله.. وصدق القرآن العظيم.

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ. وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الأعراف:172-174).. وأشهدهم على أنفسهم.. هذا إشهاد صريح ومفصَّل.

والله يروى في قرآنه عملية الإشهاد.. كما يحكى عن هذا المانفستو الإلهي الذي اسمه الجينوم البشرى.. وكيف أن كل مولود جاء ومعه قصته وحكايته من الأزل مكتوبه في خلاياه ومسطورة في جيناته ..

ثم ما حدث في هذا القرن من الزمان من إشهاد للعالم كله على أصل الحكاية وبلسان أكبر زعيم لأكبر دولة.. هو الرئيس الأمريكى كلينتون.

تلك الجينات.. من كتبها.. ومن أودعها في هذه الحروف الكيمائية؟!

والإشهاد بهذا المفهوم الجديد أوسع وأشمل مما جاء في كتب التفسير القديمة.. فقد اشتركت الدنيا كلها في هذه المظاهرة الشهودية وكانت حديث الساعة وموضوع التفاخر والاستعلاء بالنسبة لعلماء الغرب.. وقد اتخذوا منه حجة على موقفهم من الدين.. مع أنه حجة عليهم وليس حجة لهم.. فهذا كتاب لا يمكن أن يكتبه مخلوق.. ولا مفر ولا مهرب من القول بأن الذي كتب هو الذي خلق لأن الكتابة جاءت في صميم الخلقة وفى الحشوة المخلوقة ذاتها وبالحروف الكيمائية لنفس المخلوق وهو عمل معجز لا يقدر عليه إلا الخالق الذي خلق.

كان هذا اليوم يوم إشهاد عالمي على عظمة القرآن وشموله وإحاطته وإعجازه وخلود آياته وقدرته على الحضور في كل عصر.. وأشهدهم على أنفسهم.. وهذا ما حدث بالفعل فقد شهد العالم كله من أدناه الى أقصاه حكاية هذا الجينوم البشرى وما زالت الأيام تأتى بما يؤكد روعة هذا الكتاب وإعجازه واستباقه لما حدث ويحدث بطول أربعة عشر قرنا من الزمان.


المصدر: بتصرف عن موقع مقالات الدكتور مصطفى محمود

مواضيع ذات صلة