رمضان 2018

الأخلاق.. دراسة وتحليل لأسباب التراجع والانحدار (30)

غير أنه من الضروري كذلك أن نبرز للناس نماذج طيبة حديثة ومعاصرة، نحسب أنها بلغت من الصدق مرتبة كبيرة، اكتسبوا بها الاحترام وجعلت منهم أسوة حسنة لكل من يريد أن يسير على الطريق المستقيم ويدخل ضمن زمرة الصادقين المصدقين، عسى أن يدرك الجميع أن لا حجة لامتهان الكذب مهما كان حال العصر الذي يعيشون فيه!

(مقتطف من المقال السابق)

د. حازم علي ماهر* (تنشر السلسلة بالتزامن مع نشرها في جريدة السياسة الكويتية)

الأخلاق

هل هناك أصدق ممن هجر الملذات لدفع البلايا والملمات عن ذوي البلايا والمجاعات؟!

وعدت في المقال السابق بالحديث عن بعض النماذج الطيبة ممن بنوا مصداقيتهم عبر عمل صادق وجاد، انتهجوا فيه طريقًا مستقيمًا وواضحًا أوصلهم إلى مكانة كبيرة عند الناس، الذين لا يزالون –في غالبيتهم- يمتلكون القدرة على التمييز بين الصادقين والملفقين المدعين.

وقد اخترت تلك النماذج من معاصرين لنا ممن لا يزالون أحياء يرزقون، وممن عاشوا في عصرنا هذا ولكن فارقونا بأجسادهم بعد أن تركوا لنا أعمالهم الصالحات وذكرهم الطيب، وسيكون الحديث عنهم منطلقًا من حسن ظننا فيهم، دون أن نزكيهم على الله، فهو سبحانه أعلم بحالهم منا، خاصة وأننا سنتخير منهم من نظن فيهم أنهم قد بنوا مصداقيتهم باستواء ظواهرهم وبواطنهم، وبالتزامهم الأخلاقي الراسخ، حتى لو لم يكونوا من المسلمين.

وحين تفكرت في الأسماء التي يمكن أن يُضرب بها المثل عند الحديث عن الصدق والمصداقية وجدت أن القائمة كبيرة على عكس ما يتصور البعض من أن عصرنا هذا كاد أن يخلو من نماذج تصلح للاحتذاء في بناء المصداقية، وهو أمر تفسره مقولة: “المعاصرة حجاب”، كما أنه قد يرجع إلى اعتقاد أهل كل زمان أن الأزمنة السابقة خير من زمانهم، فيحنون إلى الماضي وأهله على حساب حاضرهم الذي يكاد أن يتفرد –من وجهة نظرهم- بالظلم والبؤس والشقاء!

المهاتما غاندي

ومن تلك النماذج التي اكتسبت مصداقية كبيرة في عصرنا هذا، والتي سأشير فقط إلى بعض سجاياها عسى أن تدفع القراء للاطلاع المفصل على المزيد عنها، يأتي ذلك الرجل الذي ظل يكافح ضد العنصرية والعنف غير المشروع ولا المبرر أخلاقيًا حتى أصبح اللاعنف لا يذكر إلا تعريفًا له ولنهجه، وهو المهاتما غاندي (1869-1948م) الذي ظل يقاوم الظلم المركب والاحتلال الغاشم عبر العصيان المدني والتهديد بالصيام حتى الموت، فلم يفلح التهديد ولا السجن في كسر إرادته حتى دفع روحه في النهاية ثمنًا لدفاعه عن المسلمين ضد عنف قومه (الهندوس) فقتله هندوسي انتقامًا من موقفه الإنساني النبيل الذي يمثل أرقي درجات السمو والاتساق مع الذات.

تشي جيفارا

كما شهد عصرنا ثائرًا عالميًا صدَّق اعتقاده بضرورة رفع الأسر عن الشعوب المقهورة، عبر مقاومة الإمبريالية لاسيما في أمريكا اللاتينية، بأن ظل يقاتل متطوعًا في صفوف المستضعفين حتى جرى اغتياله أخيرًا على يد القوى الاستعمارية بعد أن أذاقها المذلة والمهانة ليقدم لنا نموذجا للصدق العملي في السعي الدائم إلى التحرر والاستقلال الوطني، وهو النضالي تشي جيفارا (1928-1967م).

شارل ديجول

وهناك كذلك الزعيم الفرنسي شارل ديجول (1890-1970م) الذي احتل الألمان بلاده في الحرب العالمية الثانية، فما كان منه إلا أن قاد (فرنسا الحرة) للاستقلال، عبر قيادته لمقاومة باسلة للاحتلال الألماني بعد أن بث روحها في نفوس شعبه، ثم أسس الجمهورية الخامسة في بلاده المحررة حيث وضع في عهده دستور 1958م، الذي لا يزال ساريًا في فرنسا حتى الآن، وكذلك اتخذ قرارًا شجاعًا بالاعتراف باستقلال الجزائر الثائرة بعد مضي أكثر من مائة وثلاثين عاما من احتلال بلاده لها (1830-1962م)، ويعد أعظم رئيس فرنسي في القرن العشرين، ولا يزال علامة على السياسة المعتدلة في العالم، وكل ذلك نبع في الأساس من صدقه في السعي إلى تحرر بلاده واستقلالها.

علي عزت بيجوفيتش

الأخلاق

علي عزت بيجوفيتش

وها هو مناضل عظيم آخر، وهو (سلطان المفكرين) علي عزت بيجوفيتش (1925-2003م)، الذي أسس جمعية للشبان المسلمين -وهو في ريعان شبابه- لتسهم في الحفاظ على الهوية الإسلامية، وعلى حقوق المسلمين في وطنه (البوسنة والهرسك) الذي كان جزءًا من مملكة يوغسلافيا، ثم قاوم الاحتلال النازي لبلاده رافضًا أن يسقط المسلمون في فخ مساندة ظالمين آخرين، فسجن مرارًا لأجل مواقفه الحرة النبيلة، وهو في كل مرة يسجن فيها يؤلف كتابًا مبدعًا يوضح سمو الإسلام ومدى حاجة العالم إليه، شرقًا وغربًا، حتى جاء وقت الاستقلال، فاختاره شعبه رئيسًا للبوسنة بأغلبية كبيرة، ولكنه جوبه بحرب إبادة تشن على شعبه من “الصرب” بتواطؤ دولي مشين، فما كان منه إلا أن قاد المقاومة لهذا الغزو المجرم حتى استطاع في النهاية أن يسهم في توطيد السلام في بلده في ظروف بالغة الصعوبة بعد أن كسب احترام العالم، ومصداقية خالدة بإذن الله.

الشيخ أحمد ياسين

ثم شهد عصرنا الراهن -مزهوًا- رجلا فلسطينيًا مقعدًا، وهو الشيخ أحمد ياسين (1936-2004م) لا يكاد يحرك يديه ولا قدميه فضلا عن إصابته بالعديد من الأمراض الأخرى التي لم تفلح قط في قعوده عن الجهاد لأجل تحرير بلاده من الاحتلال الغاشم، كما لم يفلح سجنه ولا تعذيبه، فإذا به يقود شعبًا –وهو المقعد- في معركة تحريره ويجبر المحتل على اغتياله وهو عائد من صلاة الفجر على كرسيه المتحرك لينال الشهادة التي رجاها مرارًا، وليتخلصوا هم من أعجوبة لا تمتلك إلا الصدق والهمة العالية والروح الوثابة التي انتصرت بجدارة على شلل الجسد، وعلى معدومي الضمير، وأسرى أجسادهم التي شلها الطمع وأسرتها الشهوات!

نيلسون مانديلا

كما ظهر أيضًا في عصرنا زعيما مقاومًا آخر تولى رئاسة بلاده بعد أن قادها للتخلص من سياسة الفصل العنصري بين مواطنيها، البيض والسود، وأخذ بيد الجميع نحو السلام والتسامح اللذين ملئا قلبه هو من قبل حين سامح من سجنوه سنوات عديدة بلغت حوالي سبعة وعشرين عامًا، لمجرد مطالبته بالمساواة والحرية، فأثبت بذلك صدق تطلعه إلى تحقيق الوحدة بين عناصر شعبه دون تفرقة أو ضغينة، إنه الزعيم الجنوب أفريقي الأشهر نيلسون مانديلا (1918-2013م)!

الدكتور عبد الرحمن السميط

السميط

د. عبد الرحمن السميط

وفي مجال العمل الخيري والإغاثي سنجد رجلا هجر أوروبا، ومن قبلها آسيا وأمريكا الشمالية (كندا تحديدًا)، بعد أن حصل على شهاداته العلمية وخبراته العملية في مجال الطب، لينطلق إلى غياهب أفريقيا يدعو إلى الله على بصيرة، ويدعم مواطنيها ضد المجاعات والأهوال مصطحبًا معه أسرته في بعض الأحيان، ومعرضًا نفسه وأهله للعدوى المرضية المميتة في كل الأحيان، إنه الداعية الكويتي الصادق الدكتور عبد الرحمن السميط –رحمه الله- (1947-2013م)، الذي يُقال أنه تسبب في اعتناق ملايين الأفارقة للإسلام، حين بادر للذهاب إليهم والقيام على خدمتهم وإنقاذهم من كفر الفقر وكفر العقيدة، وعلاجهم من تفشي الأوبئة والأمراض، فكان رائدًا في إغاثتهم المادية والروحية، وظل كذلك حتى أنهكت همته العالية جسده، فمات تاركًا عملا مؤسسيا يمثل نموذجًا رائعًا في العمل الخيري والإغاثي، وهو “جمعية العون المباشر” فضلا عن جمعيات وهيئات مماثلة كان عضوا مؤسِسًا فيها، فهل هناك أصدق ممن هجر الملذات لدفع البلايا والملمات عن ذوي البلايا والمجاعات؟!

نستكمل في المقال المقبل بإذن الله.

لمطالعة بقية أجزاء السلسلة يمكن للقارئ الكريم زيارة العناوين التالية:

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (1)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (2)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (3)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (4)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (5)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (6)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (7)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (8)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (9)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (10)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (11)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (12)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (13)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (14)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (15)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (16)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (17)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (18)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (19)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (20)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (21)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (22)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (23)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (24)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (25)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (26)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (27)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (28)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (29)

_________________________________

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: