على ساحة الإنترنت.. عصابات الإلحاد تُسيطر!!!

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (7)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (7)

(إذا ساد الخوف -أو الجبن والهلع- الأخلاق فقد الإنسان قدرته على قيادة نفسه، وسلمها لكل متسلط مستبد…)

مقتطف من المقال السابق

د. حازم علي ماهر* (تنشر السلسلة بالتزامن مع نشرها في جريدة السياسة الكويتية)

الخروج من الوهن واستعادة الأخلاق المفقودة!

الاخلاق

بعد استعراض مظاهر الوهن وأسبابه، جاء الدور الآن على محاولة لطرح بعض الإشارات للمرور من هذا النفق الذي يبدو وكأنه بلا نهاية!

تحدثت في المقال السابق عن نكبة أخلاقية عمت الأمة، شعوبًا وجماعات ومؤسسات وأفراد، وهي هيمنة الوهن والاستكانة على الشخصية المسلمة في عالمنا المعاصر، واستعرضت مظاهر هذا الوهن وأسبابه بإيجاز، وجاء الدور الآن على محاولة لطرح بعض الإشارات للمرور من هذا النفق الذي يبدو وكأنه بلا نهاية!

والحقيقة أنه ينبغي التأكيد أولا على بديهية يتناساها البعض في هذا الإطار، وهي أن الأمة والجماعات والمؤسسات تتشكل جميعها من أفراد، ومن ثم فإنه لابد من أن يرتكز الإصلاح على الفرد (الإنسان)، وألا يغفل ذلك أبدًا أو يتهاون به؛ فصلاح الإنسان هو الطريق الطبيعي لإصلاح الإنسانية، وليس الأمة الإسلامية وحدها.

والأمر الآخر الذي ينبغي الانتباه له، أن صلاح الإنسان يتوقف أولا على مدى سلامة رؤيته لنفسه ولواقعه المحيط به، ولقد رأينا كيف باتت صورة الإنسان المسلم المقهور في نظر ذاته مشوهة وسلبية، أورثته عجزًا وانكسارًا وإحباطًا وقنوطًا، وهو أمر ينبغي معالجته أولاً قبل أي حديث عن صورته في نظر الآخرين، أي أننا يتحتم علينا أن نسير عكس التيار السائد الذي ركز جهده على صورة المسلمين لدى غيرهم، لاسيما المعادين منهم!

وأول ما علينا أن ندركه –نحن المسلمون المقهورون- لمعالجة هذه النظرة الدونية للذات، أن نتذكر دائمًا أننا ننتمي لأمة ذات حضارة عريقة سادت العالم قرونًا عديدة، علمًا وخُلقًا، وأننا نستطيع دومًا أن نعود (خير أمة أخرجت للناس)، لأننا لا نزال نمتلك كل أدوات الإقلاع الحضاري، وعلى رأسها عقيدة دينية دافعة (ورافعة) من شأنها أن تنتشل الإنسان من هوة التخلف والانحدار وتسمو به إلى الآفاق ورفعة الأخلاق، إذا ما جرى تفعيلها في حياة الإنسان المسلم على نحو صحيح، وشريعة تهدينا دومًا للحق والوسطية والتوازن والاعتدال، وأخلاق راسخة كالجبال.

وعلينا أيضًا أن ندرك أن أجيالنا المعاصرة لم تصنع هذا القهر الذي نراه، بل استجلبته أمراض طاعنة بدأت بواكيرها مع بدء تفكيك عرى الإسلام، أي منذ قرون طويلة، ومن ثم فإنه ليس هناك مبرر لجلد الذات وتحمليها مسئولية كارثة لم تنشئها ولم تتسبب فيها، فليس ذنبها أنها أتت في هذا التوقيت الذي تخلفت فيه الأمة عن هدى الإسلام وقيمه حتى تكالب عليها أعداؤها!

ولكن علينا أن نؤمن كذلك بأنه إذا كان هذا القهر قدرًا بالنسبة لأجيالنا المعاصرة، فإن الوهن حياله ليس قدرنا ولا يصح أبدًا أن نعتقد ذلك الاعتقاد الوهمي الذي يريد أن يرسخه بعض “الموظِفين” للدين؛ فنحن مسئولون دومًا عن العمل على إزالة هذا القهر غاية وسعنا، موقنين بأن الله لن يحاسبنا إلا عما بذلناه من جهد في سبيل استعادة عزة الأمة، أفرادًا وجماعات، بغض النظر عن تحقق هذا الهدف في حياتنا أو بعد ذلك، ومن ثم فلا مبرر للوقوع في براثن اليأس والإحباط.

وقد سبق أن كتبت في موضع آخر معترضًا على هذا الإحباط الذي هيمن على مشاعرنا في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها الأمة، وأودى بنا إلى المزيد من الوهن والاستكانة ما يلي:

لماذا نحن محبطون؟!

(إذا أذنبنا في حق أنفسنا فركعتين خاشعتين في جوف الليل تمحوان ذنوبنا، وإذا تسلطوا علينا فليس أمامنا سوى قول: “حسبنا الله ونعم الوكيل” مع المقاومة قدر الوسع، وإلا فهو إكراه لا نحاسب عليه، وإذا ضاق الرزق فهو القدر الذي لا يرده إلا مضاعفة العمل والدعاء لا العويل والبكاء، وإذا مرضنا فهو التكفير عن السيئات أو الرفع للدرجات الذي يقينا الدركات، وإذا أرادوا أن يطفئوا نور الله فنوره لا ينطفئ أبدا وكلمته هي العليا وليس علينا سوى أن ندعوه بأن يستعملنا لا أن يستبدلنا. ستضيق علينا الدنيا وتتسع، وفي كل ابتلاء نسعى لاجتيازه للفوز بالنعيم الخالد الذي لا حزن فيه ولا غل ولا حسد ولا تباغض ولا ظلم ولا ملل ولا خيانة. هيا بنا نواصل السعي الواعي الحثيث لأن نبقى مصلحون مهما أحاط بنا المفسدون وحاول أن يحبطنا المحبطون.)!

إن الله عز وجل لم يخبرنا فقط أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، بل أنبأنا كذلك أنه لا يكلف نفسًا إلا ما آتاها، أي أنه سبحانه سيحاسبنا –أفرادا وجماعات وأمما- على قدر ما منحنا من إمكانيات، وما خولنا به من قدرات، بمعنى أنه لا تكليف في الشرع بما لا يطاق، حتى في الشعائر والعبادات، حيث يُرفع التكليف عن المكره بقدر ما يتعرض له من إكراه، وعن المريض بقدر مرضه، ومن ثم عن المقهور بقدر قهره، والمهدور بقدر هدر حقوقه الإنسانية، وليس أدل على ذلك من قوله سبحانه: “فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ” (التغابن:16) ، وقوله: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ” (الأنفال: 60).

ويمكن لمن شاء الاستيثاق أكثر من سعة هذا الدين، واتساع أفق الفقه الآخذ عنه، أن ينظر فيما ورد في كثير من تفاسير القرآن الكريم، وفي شروح السنة النبوية وفي كتب الفقه وأصوله، من مصطلحات ومفاهيم وقواعد أصولية تسد باب القنوط والإحباط أمام الإنسان المقهور والمضطر، وتأخذ بيده نحو الانطلاق والعطاء حتى في أحلك ظروفه، من مثل: “فقه الاستطاعة”، و”فقه الضرورة”، و”فقه الأولويات”، و”فقه الموازنات”.. وغيرها من أبواب واسعة للأمل والعمل المحبطين للإحباط والوهن!

وللحديث بقية >>>

لمطالعة بقية أجزاء السلسلة يمكن للقارئ الكريم زيارة العناوين التالية:

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (1)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (2)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (3)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (4)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (5)

الأخلاق.. دراسة و تحليل لأسباب التراجع و الانحدار (6)

_____________________________

*باحث وكاتب مصري

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: