على ساحة الإنترنت.. عصابات الإلحاد تُسيطر!!!

روافد الثقافة العربية الإسلامية إلى أوروبا (2-1)

لم تكن هناك وسيلة لتعرف أوروبا الفلسفة اليونانية إلا عن طريق الثقافة الإسلامية لأن التراجم اللاتينية لأفلاطون وأرسطو لم تنقل أو تترجم من الأصل اليوناني مباشرة وإنما أخذت من التراجم العربية وأضيف إليها ما كتبه المعاصرون المسلمون مثل ابن رشد وابن سينا في الفلسفة الإسلامية…

محمود الشرقاوي

روافد الثقافة العربية الإسلامية إلى أوروبا (2-1)

قامت صلة وثيقة بين طائفة من عباقرة الشعر في أوربا بأسرها، خلال القرن الرابع عشر الميلادي وما بعده، وموضوعات الأدب العربي والثقافة الإسلامية على وجه لا يقبل التشكيك.

كانت أوربا تتلقى آثار الثقافة العربية الإسلامية بوسائل وطرق كثيرة ومن أهمها وأعظمها أثرًا:

1- طريق الأندلس، حيث أقام العرب هناك جامعات زاهرة قصدها طلاب العلم من أوروبا، ونشر هؤلاء الطلاب في بلادهم ما تعلموه من العرب، كما انتفع الأوربيون بدور الكتب الكثيرة التي كانت منتشرة في إسبانيا، مما ساعد على إحياء العلوم في أوربا فيما بعد.

2- طريق صقلية، حيث ظل المسلمون في هذه البلاد زهاء 130 سنة، فأصبحت المركز الثاني لنشر الثقافة الإسلامية في أوربا.

3- طريق الشرق، فقد كانت الحروب الصليبية والحج إلى بيت المقدس مدعاة لاختلاط الأوربيين بالعرب فنقلوا عنهم الكثير من علومهم ومعارفهم وفنونهم وصناعاتهم، كما حصلوا على كثير من الكتب العربية، فساعد ذلك على ظهور روح البحث، ودراسة علوم الأقدمين وآدابهم وفنونهم.

وقد أكد علماء الغرب المنصفون أن الأوربيين تناولوا مشعل العلم من أيدي المسلمين حين اتصلوا بهم واطلعوا على حضارتهم، فاستضاءوا بعد ظلمة، وبلغوا به بعد ذلك ما بلغوه من هذا التقدم العلمي العظيم الذي يعيشون فيه اليوم، ولولا هذا الاطلاع وهذا الاحتكاك لظلت أوروبا، ربما لقرون عديدة أخرى تعيش في الظلام والجهالة التي رانت عليها في العصور الوسطى.

وقد أجمل المؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب) تأثير حضارة الإسلام في الغرب وأرجع فضل حضارة أوربا الغربية إليها وقال: إن تأثير هذه الحضارة بتعاليمها العلمية والأدبية والأخلاقية عظيم ولا يتأتى للمرء معرفة التأثير العظيم الذي أثره العرب في الغرب إلا إذا تصور حالة أوربا في الزمن الذي دخلت فيه الحضارة.

وأضاف لوبون: بأن عهد الجهالة قد طال في أوربا العصور الوسطى وأن بعض العقول المستنيرة فيها لما شعرت بالحاجة إلى نفض الجهالة عنها، طرقت أبواب العرب يستهدونهم ما يحتاجون إليه لأنهم كانوا وحدهم سادة العلم في ذلك العهد.

ويقرر لوبون أن العلم دخل أوربا بواسطة الأندلس وصقلية وإيطاليا. وأنه في سنة 1120م أنشئت مدرسة للترجمة في طليلة بالأندلس، وأن هذه المدرسة أخذت تترجم إلى اللاتينية أشهر مؤلفات المسلمين، ولم يقتصر هذا النقل على كتب الرازي وابن سينا وابن رشد فحسب بل نقلت اليها كتب اليونان التي كان العرب قد نقلوها إلى لسانهم، ويضيف لوبون أن عدد ما ترجم من كتب العرب إلى اللاتينية يزيد على ثلاثمائة كتاب ويؤكد لوبون فضل العرب على الغرب في حفظ تراث اليونان القديم بقوله : فإلى العرب، وإلى العرب وحدهم، لا إلي رهبان القرون الوسطى ممن كانوا يجهلون حتى وجود اللغة اليونانية، يرجع الفضل في معرفة علوم الأقدمين، والعالم مدين لهم على وجه الدهر لإنقاذهم هذا الكنز الثمين.

وأن جامعات الغرب لم تعرف لها، مدة خمسة قرون، موردًا علميًا سوى مؤلفاتهم وأنهم هم الذين مدنوا أوربا مادة وعقلاً، وأخلاقًا، وأن التاريخ لم يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير، وأنه لم يفوقهم قوم في الإبداع الفني.

وأكد لوبون أثر الاسلام وأثر حضارته في كل بلد استظلت برايته قائلاً: كان تأثير العرب في عامة الأقطار التي فتحوها عظيمًا جدًا في الحضارة، ولعل فرنسا كانت أقل حظاً في ذلك، فقد رأينا البلاد تتبدل صورتها حينما خفق علم الرسول الذي أظلها بأسرع ما يمكن، ازدهرت فيها العلوم والفنون والآداب والصناعة والزراعة أي ازدهار.

وأشاد لوبون بفضل العرب في نشر العلوم وفتح الجامعات في البلاد التي استظلت برايتهم فيقول: ولم يقتصر العرب على ترقية العلوم بما اكتشفوه، فالعرب قد نشروها، كذلك بما أقاموا من الجامعات وما ألفوا من الكتب، فكان لهم الأثر البالغ في أوربا من هذه الناحية، ولقد كان العرب أساتذة للأمم المسيحية عدة قرون، وأننا لم نطلع على علوم القدماء والرومان إلا بفضل العرب، وأن التعليم في جامعاتنا لم يستغن عما نقل إلى لغاتنا من مؤلفات العرب.

ويقول الفيلسوف الفرنسي: إرينيه جينو- الذي أسلم وتسمى عبدالواحد يحيى -: والأثر الواضح الذى يثبت لنا انتقال المؤثرات الثقافية من المسلمين إلى أوربا هو تلك الكلمات العربية الأصل التي تستعمل لنقل الأفكار وإظهار ما تكنه النفوس فإن من السهل علينا أن نستنتج انتقال تلك الأفكار والآراء الإسلامية نفسها، وفي الحق أن تأثير الحضارة الإسلامية قد تناول إلى درجة بعيدة وبشكل محسوس كل العلوم والفنون والفلسفة وغير ذلك، وقد كانت أسبانيا مركز الوسط الهام الذي انتشرت منه تلك الحضارة . فالكيمياء احتفظت دائما باسمها العربي وعلم الفلك أكثر اصطلاحاته الخاصة ماتزال محتفظة في كل اللغات الأوربية بأصلها العربي، كما أن كثيرا من النجوم ما يزال علماء الفلك في كل الأمم يطلقون عليها أسماء عربية.

ومن السهل جدًا أن نوضح أن كثيرًا من المعارف الجغرافية عرفت من الرحالة العرب الذين جابوا كثيرًا من الأقطار وحملوا معهم معلومات جمة.

وأننا لنجد أثر الثقافة الإسلامية في الرياضيات أكثر وضوحًا، وهذا علم الحيوان الذي يسهل علينا من اسمه العربي أن نعرف طريق انتقاله إلى الغرب، كما أن الأرقام الحسابية التي يستعملها الأوربيون هي نفس الأرقام التي استعملها العرب، وأن كثيرًا من المعاني التي جادت بها قرائح الكتاب والشعراء المسلمين أخذت واستعملت في الأدب الغربي، كما نلاحظ أن أثر الثقافة الإسلامية واضح كل الوضوح وبصفة خاصة في فن البناء وذلك في العصور الوسطى.

ولم تكن هناك وسيلة لتعرف أوروبا الفلسفة اليونانية إلا عن طريق الثقافة الإسلامية لأن التراجم اللاتينية لأفلاطون وأرسطو لم تنقل أو تترجم من الأصل اليوناني مباشرة وإنما أخذت من التراجم العربية وأضيف إليها ما كتبه المعاصرون المسلمون مثل ابن رشد وابن سينا في الفلسفة الإسلامية.

ثم ينتهي رينيه جينو بقوله: هذا جزء من كل من أثر الثقافة الإسلامية في الغرب ولكن الغربيين لا يريدون أن يقولوا به لأنهم لا يريدون الاعتراف بفضل الشرق عليهم، ولكن الزمن كفيل بإظهار الحقائق.

كان تأثير الثقافة الإسلامية على أوربا تأثيرًا عميقًا في شتى نواحي الحياة وفيما يتصل بالمعارف والعلوم والفنون.

1 – في الأدب:

قامت صلة وثيقة بين طائفة من عباقرة الشعر في أوربا بأسرها، خلال القرن الرابع عشر الميلادي وما بعده، وموضوعات الأدب العربي والثقافة الإسلامية على وجه لا يقبل التشكيك. ونخص بالذكر من هؤلاء بوكاشيو وبترارك ودانتي وهم من أعلام النهضة الإيطالية، وشسر الكاتب الانجليزي الشهير، وسرفانيتس الأسباني، وإلى هؤلاء يرجع الأثر والتأثير البارز في قيام النهضة الأوربية في أوربا.

ففي عام 1346م كتب بوكاشيو حكاياته التي سماها(الليالي العشر)  وحذا فيها حذو ليالي ألف ليلة وليلة التي كانت منتشرة حكاياتها في مصر والشام، وقد ضمن حكاياته مائة حكاية على غرار ألف ليلة وليلة وأسندها إلى سبع من السيدات وثلاثة من الرجال الذين اعتزلوا في بعض ضواحي المدينة فرارا من مرض الطاعون.

 وفرضوا على كل منهم حكاية يقصها على أصحابه في كل صباح لقضاء وقت الفراغ وقتل الملل، وقد ملأت هذه الحكايات أقطار أوربا واقتبس منها الكاتب الإنجليزي  (وليم شكسبير) موضوع مسرحية  (العبرة بالخواتيم) كذلك اقتبس منها (ليسينج) الألماني مسرحية  (ناتان الحكيم).

وكانت صلة دانتي بالثقافة الإسلامية وثيقة، لأنه أقام في صقلية في عهد الملك فريدريك الثاني، الذي درس الثقافة الإسلامية في مصادرها العربية الأصيلة.

وقد لاحظ أحد المستشرقين أن الشبه قريب جدًا بين وصف الجنة في كلام الصوفي الكبير محي الدين بن عربي (1164-1240م) في مؤلفه الكبير (الفتوحات المكية) وأوصاف دانتي لها في الكوميديا الإلهية.

وقد كان دانتي يعرف شيئا غير قليل من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فاطلع على الأرجح من هذا الباب على قصة الإسراء والمعراج ومراتب السماء، ولعله اطلع على رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، واقتبس من كل هذه المصادر معلوماته عن العالم الآخر التي أوردها في الكوميديا الإلهية وأكبر القائلين بالاقتباس على هذا النحو هو عالم من أمة الأسبان انقطع للدراسات العربية: وهو الأستاذ آسين بالسيوس.

وقد عاش بترارك في عصر الثقافة الإسلامية بإيطاليا وفرنسا، ودرس العلم بجامعتي مونبلييه وباريس بفرنسا وكلتاهما قامتا على تلاميذ علماء المسلمين في الجامعات الأندلسية.

أما سرفانتيس فقد عاش في الجزائر بضع سنوات وألف كتابه: (دون كيشوت) بأسلوب لا يشك من يقرأه في اطلاع كاتبه على العبارات العربية والأمثال التي لاتزال شائعة بين العرب حتى هذه الأيام. وقد جزم برسكوت Prescott صاحب الاطلاع الواسع على تاريخ الأسبان بأن فكاهة (دون كيشوت) كلها أندلسية في اللباب.

أما عن الشعر، فقد قال دانتى إِنّ الشعر الايطالي ولد في صقلية بفضل الشعر العربي وبتأثير منه، ولقد شاع نظم الشعر بالعامية في إقليم بروفانس في جنوب فرنسا، وانتشر الشعر في ذلك الإقليم على يد الشعراء الجوالين الذين عرفوا باسم (التروبادور) وواضح أن الأوربيين اشتقوا هذا الاسم من كلمة طروب العربية. وقد وجدت في أشعار الأوربيين بشمال الأندلس كلمات عربية وإشارات لعادات إسلامية.

والشعر العربي الأندلسي في الموشحات والزجل كان السبب في نشأة الشعر الإسباني نفسه، والمرجح أن أول من ابتكر الموشح هو مقدم بن معافي القبري الضرير 992م وثلاثة آخرون أثروا هذا اللون من النظم لسهولة تناوله وقرب طريقته كما يقول ابن خلدون في مقدمته.

والزجل يكون عادة باللغة الدارجة بينما يكون الموشح بالعربية الفصحى. وهذان اللونان من النظم من ابتكار أهل الأندلس وهما اللذان أثرًا في نشأة الشعر الأوروبي، وقد أثبت الباحثون انتقال بحور الشعر الأندلسي والموسيقي العربية إلى أوربا.

أما في مجال القصة الأوربية فنجد أن هذه القصة تأثرت في نشأتها بما كان عند العرب من فنون القصص في العصور الوسطى وهي: المقامات، وأخبار الفروسية، وأمجاد الفرسان ومغامراتهم لإحراز المجد أو في سبيل الحب.

ولم تنقطع الصلة بين الأدب الإسلامي والآداب الأوربية الحديثة حتى اليوم. ويكفي لبيان الأثر الذي أبقاه الأدب الإسلامي في آداب الأوربيين أننا لا نجد أديبا واحدا من نوابغ الأدباء عندهم قد خلا شعره أو نثره من الإشارة إلى بطل إسلامي، أو نادرة إسلامية.

ومن هؤلاء: شكسبير، أديسون، بايرن، سودي، كولردج، شيلي من أدباء الإنجليز، ومن أدباء الألمان: جيته، هرور، وليسنج، ومن أدباء فرنسا: فولتير، لافونتين.

وقد صرح لافونتين باقتدائه في أساطيره التي ألفها بكتاب كليلة ودمنة الذي عرفه الأوربيون عن طريق المسلمين.

_____________________________________

المصدر: بتصرف عن صفحة الثقافة الإسلامية

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: