الإسلام.. دين يوافق تركيبة الإنسان!

الإلحاد في بلادنا.. غوص إلى العمق 3/6

تقف وراء ظاهرة الإلحاد التي ظهرت بين شبابنا (مفاهيم ونماذج معرفية) مختلفة، تختلف من مجموعة لأخرى، يمكن أن نطلق عليها جميعا اسم (الإلحاد السفسطائي)…

د. عمرو شريف

الإلحاد

شكى لي الوالدان أن ابنهما قد تبنى الإلحاد ويدعوهما إليه، وأنه يرفض أن يتحاور مع أحد؛ لأنه “مبسوط كدة”.

ويلاحظ المتأمل لهذه الأنماط أنها تنقسم إلى مجموعتين كبيرتين:

المجموعة الأولى، وتشمل الأسباب الحقيقية وراء إلحاد الملحدين، وهي الأسباب النفسية العميقة، التي تتخفى وراء أسباب موضوعية يعلنها شبابنا.

المجموعة الثانية، وتشمل الحجج العلمية والفلسفية المُعلنة، ويختلف مدى صدق مواقف الشباب الملاحدة من هذه المفاهيم، وإن كان نصيب معظمهم من خلفيات وتفاصيل ما كُتب في تفنيد هذه الحجج ضئيلا للغاية.

 أولا: من أشكال أنماط الإلحاد النفسية.. إلحاد المراهقين

تعتبر فترة المراهقة من أحرج الفترات في حياة الإنسان، ففيها يبدأ المراهق في الشعور بذاته والثقة في نفسه وعقله؛ فيعتبر آراءه وأحكامه العقلية هي المرجعية التي يقرر في ضوئها صواب وخطأ الآخرين، بل ويجعل من نفسه نداً للكبار فيتمرد عليهم ويرفض ما لا يروق له من آرائهم وأفكارهم، كما تسيطر عليه الرغبة في الظهور (عوامل نفسية شخصية). وقد أفرزت هذه الصفات (سواء تخلَّق بها المراهقون أو الكبار) عددا من الأنماط الإلأحادية، فاستحقت أن نطلق على كل منها اسما:

أ- إلحاد الندية والكِبر:

ينظر المراهق (سواء كان في سن المراهقة أو كان كبيرا مثل دوكنز) إلى الإله باعتباره رجلا ذا قدرات خارقة (سوبر مان)، فيحكم على أفعال الإله بمقارنتها بأفعاله هو.

في المناظرة التي دارت بيني وبين قطب إلحادي، والتي أذاعتها إحدى الفضائيات، قال الملحد: في يوم من الأيام قتلتُ باعوضة وتحديت الإله –إذا كان موجودا- أن يقبل التحدي وأن يحييها!.

يعتبر التحدي لإحياء الموتى أحد أشكال الندية والكبر، وقد طرحه ملاحدة الأمم الغابرة على أنبيائهم، وكنت أظن أنه قد انقضى بانقضائهم، فإذا بالملاحدة المعاصرين يمارسونه بغباء. كيف يصير الأمر لو استجاب الله عز وجل لكل تحد يطرحه ملحد؟ لا شد أن الحياة ستصير مهزلة، ويصبح الملحدون هم الآلهة.

ومن أمثلة الندية الخرقاء شكوى البعض من أن ليس هناك “عَقد” بيننا وبين الإله يضمن أنه سيوفي بوعده لنا بالجنة إن أطعناه!.

ويؤدي الشعور بالندية إلى فرض تصوراتنا عن الإله، ومن أمثلة ذلك تساؤل البعض: ما الذي يستفيده الإله من عبادتنا له طوال عمرنا؟ لهؤلاء قلت: إن قواعد المنظومة (أو اللعبة كما يقولون) يضعها الإله الخالق، وليس للعبد المخلوق إلا الطاعة و الالتزام. فأنت إذا شاركت في لعبة كرة القدم مثلا عليك الالتزام بقوانينها، ولا تستطيع أن تطبق فيها قواعد لعبة كرة اليد!.

وفي كل الأحوال فإن طاعتنا لا تزيد في ملك الله عز وجل ولا منه معصيتنا شيئا، والعبد هو المستفيد الأول والأخير.

ب- إلحاد التمرد:

في مناظرتي التي بُثت فضائيا، أراد الملحد إظهار إعلائه لقيمة الحرية، فقال: إني مستعد أن أدخل النار حرا ولا أدخل الجنة عبدا للإله!. إن تمرد هذا الملحد ليس بسبب اعتزازه بالحرية ورفض العبودية، فقد خاطب رفيقته من خلال موقعه على شبكة المعلومات قائلا لها “معبودتي”! إنه تمرد على العبودية للإله بالتحديد.

لأن جوهر المشكلة الذي يولِّد إلحاد الندية والكبر وكذلك التمرد، هو الإصرار على قياس علم وحكمة وأفعال الإله المطلق الأزلي الأبدي الذي لا يحده الزمان ولا المكان ولا منظومة الأسباب على علم وحكمة وأفعال الإنسان المحدود المحكوم بالأسباب. إن الإله ليس كمثله شيء، إنه مختلف تماما عن البشر، ومن هذه الاختلافات أنه لا يفعل لغاية أو احتياج مثلما يفعل الإنسان.

لقد سقط إبليس اللعين في هذه الخطيئة المعرفية، فتمرد على الإله، وجعل من نفسه ندا له وحَكَما على أوامره عز وجل ورفض السجود لآدم عليه السلام، بدعوى مخالفة أوامر الله عز وجل لمنطقه الإبليسي، فإبليس من نار وآدم من طين!.

ج- إلحاد خالِف تُعرَف:

أخبرني الأب أن ابنه فشل في تحقيق ما حققه إخوته من تفوق في مجال الدراسة، وأخيرا مال إلى الحديث مع الآخرين في قضايا الألوهية، ثم تبنى الإلحاد بشكل كامل. و عندما حاورت الفتى لمست فخره بأن ذلك جعله حديث المدرسة، طلابها ومدرسيها، وجعله يجالس ويحاور عددا من العلماء والمفكرين بعد وساطة والده على أمل أن يردوه عن إلحاده.

إن مخالفة أعراف المجتمع ومفاهيمه وقيمه المستقرة هي أيسر الطرق لتحقيق ذيوع الصيت والشهرة بين الأقران وأمام الآخرين[1].

د- إلحاد الاستغناء:

شكى لي الوالدان أن ابنهما قد تبنى الإلحاد ويدعوهما إليه، وأنه يرفض أن يتحاور مع أحد؛ لأنه “مبسوط كدة”. أرسلت إلى الفتى مع والديه؛ أدعوه لمحاورتي، فإن أقنعني برأيه سأدعم موقفه وأقنع به والديه. أما إن كان على خطأ فليعلم أن تمسكه بموقفه سيكلفه ما لا طاقة له به في الدنيا والآخرة.

 وافق الفتى على دعوتي، والتقينا. قال لي: إن حياتي سعيدة مستقرة مع إلحادي، فلماذا أشغل نفسي بقضية الألوهية والدين في الوقت الذي لا أشعر فيه بحاجة إلى الإيمان بها؟

قلت له، ما تقول في الطالب الذي لا يستذكر دروسه؛ لأن حياته سعيدة مستقرة دون مذاكرة؛ ولأنه لا يشعر بحاجة لبذل الجهد والمعاناة مع ذلك؟. إن هذا الطالب لا يستحضر أن هناك عواقب لحياته السعيدة تلك! ألا ينبغي على والديه ومدرسيه أن يوجهوه إلى ما فيه مصلحته، حتى وإن كانت المذاكرة على غير هواه، وحتى إن كان لا يدرك أهمية ذلك الآن.

وأضفت؛ لا ينبغي أن يحيا الإنسان تبعا لما يحقق له السعادة وفقط، ولكن ينبغي أن يحيا تبعا لما يمليه عليه العقل، وينبغي أن يرسم مساره بعد أن يدرك مصدره ومآله. وأنهيت التمهيد للجلسة قائلا: إن الحياة تبعا لما يمليه “الهوى” هي حياة المراهقين، أما حياة الناضجين فتتبع العقل، ومن ثم فإن “الاستغناء” الحالي ليس مبررا لعدم الإيمان.

اقتنع الفتى بمنطقي وَقَبِل أن يدخل معي في حوار.

وإلى المزيد من أنواع النمط النفسي للإلحاد السفسطائي في المقالات التالية>>>

لمزيد من التفاصيل طَالِع أيضا:

الإلحاد في بلادنا.. غوص إلى العمق 6/1

الإلحاد في بلادنا.. غوص إلى العمق 6/2

الهامش:

[1] – يجسد هذا المعنى موقف الدكاترة زكي مبارك. فقد هاجم الإمام الغزالي في رسالته للماجستير التي كان عنوانها “الأخلاق عند الغزالي”. وبعد أن صحح زكي مبارك مساره وأدرك قيمة المنهج الإسلامي، كتب في مقدمة رسالته للدكتوراه وموضوعها “التصوف الإسلامي”: “إليك أعتذر أيها الغزالي، قصدت مهاجمتك حتى أشتهر؛ فالشهرة قد تأتي على أكتاف العظماء”. عن كتاب “المعارك الأدبية، للأستاذ أنور الجندي”.

_____________________________________________

المصدر: بتصرف يسير جدا من كتاب الإلحاد مشكلة نفسية، د. عمرو شريف، نيو بوك للنشر، الطبعة الثانية، 2016، ص: 333

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: