على ساحة الإنترنت.. عصابات الإلحاد تُسيطر!!!

حوارات الإيمان و الإلحاد.. كن المبادر ولا تنتظر! (3/3)

حوارات الإيمان و الإلحاد فنٌ لا يتقنه إلا من كان ذا خبرة وفطنة وبصيرة ثاقبة، شخص يتمتع بقدرات عقلية تمكنه من استيعاب الطرف الآخر، وقدرات نفسية وانفعالية خاصة تساعده على احتواء استفزازاته وردوده المباغتة، وثقة عالية في الذات تسمح وتقبل بتعالي الطرف الآخر، وأخيرا عقلية منظمة تضع حسابا منطقيا لأكثر من احتمال عند مناقشة أي قضية… وقبل كل ما سبق إيمانا ويقينا راسخا يتسلل في ثنايا الحديث المنطقي ولا يخطئ الهدف نحو قلب المتلقي.. في الحلقة الأولى من النقاش كان العقل هو سيد النقاش، وفي الحلقة الثانية فتح المُحاور آفاقا أرحب للتأمل في النفس وفي الكون الفسيح، وفي الحلقة الأخيرة قدم المُحاور مجموعة من القواعد الاسترشادية لكل صاحب شبهة أو استشكال في أمور عالم الغيب وما شابهها، إلى جانب مجموعة من النتائج التي خلُص إليها بنهاية الحوار ويمكن أن تمثل عونا لكل من سيقدم على تجربة محاورة متشكك أو صاحب شبهة [1].

أحمد بن ناصر الطيار

تعامل مع الأمور بتسلسلٍ وتحليلٍ منطقيٍّ، فحينها يسهل عليك فهمها واسْتيعابها.

تعامل مع الأمور بتسلسلٍ وتحليلٍ منطقيٍّ، فحينها يسهل عليك فهمها واسْتيعابها.

لله المثل الأعلى؛ فهو سهَّل علينا طريق الإيمان به؛ فأنزل كتاباً بليغاً مُعجزاً، وأرسل لنا رسولاً ناصحاً أميناً، أيحقُّ لك أنْ تعترض عليه حينما أخفى عنك أموراً غيبيةً يبتليك ويختبرك بها؟.

ثمّ إني سأقررّ لك خمسَ قواعد:

القاعدة الأولى: أنَّ الله تعالى، الذي خلقنا وهو أعلم بنا، من حقِّه أنْ يُخفي عنا بعض الأمور لمصلحتنا، ويعدنا بمعرفتها بعد موتنا، ككيفية ضيق القبر واتِّساعه، وعذاب القبر ونعيمه، ألا توافقني بأنَّ هذا من حقِّه؟

قال: نعم.

القاعدة الثانية:  أنه سبحانه وتعالى ألزمنا بالإيمان بالغيب، ولم يُلْزمنا بالسؤال عنه، فلو أنَّ كبير السن مات دون أن يعرف تفاصيل ما بعد الموت، أيُعاقبه الله؟

قال: لا.

قلت: إذن توافقني على ذلك؟

قال: نعم.

القاعدة الثالثة: أنَّك إذا أتيت على أمرٍ تستغربه من أمور الدين والغيب، وصعب عليك اسْتيعابه: فتعامل معه بتسلسلٍ وتحليلٍ منطقيٍّ، فحينها يسهل عليك فهمه واسْتيعابه.

وسأعطيك مثالاً: هب أني وإياك رجعنا للوراء مائتي سنة، فقلت لك: سأريك الآن شيئاً في يدي يعرض لنا ما يحدث في الجهة المقابلة لنا من الأرض، وسأتحدث مع أناسٍ هناك، فهل ستصدق؟

قال: لا.

قلت: ولكن لو بدأت معك بالتسلسل والتحليل المنطقي، فقلت لك: بأنه بعد عشرين سنةً سيكتشف العالم نفطاً يصنعون منه طاقةً تولد كهرباء، ثم بعد ذلك سيخترعون جهازاً يُسمَّى الهاتف، تضعه على أذنك فتخاطب الآخرين عبر أسلاكٍ ممتدَّة، ثم بعد ذلك سيخترعون جهازاً يلتقط الصور الطبيعية، وينقل كل شيءٍ بشكلٍ مباشر، ثم تزداد الاختراعات، حتى يخترعون جهازاً هاتفيًّا توجد به كاميرا تصور وتتحدث مع جميع الناس بأي مكان…

فهل مع هذا التسلسل المنطقي ستتقبل الكلام السابق؟

فأجاب: نعم.

قلت: و هكذا إذا أخذت ما تستبعده بهذه الطريقة فإنك ستراها سهلةً مقنعة.

وخذ مثالاً لما استشكلت من القضاء والقدر: عندما تقول بأنَّ الله كتب عليّ كلّ شيءٍ، فمعناه أني مجبورٌ على عملي وعلى ما أرتكبه من المعاصي، وليس لي اختيار، فكيف يُعاقبني على شيءٍ كتبه عليّ؟!

وهذا الاستشكال قد وقع عند الكثير من الناس بسبب ما قلتُه من عدم أخذه على شكلِ تسلسلٍ منطقي.

فإليك التسلسل بكل سهولةٍ ووضوح: أليس الله تعالى الذي خلقنا وخلق كلَّ شيءٍ، والذي يعلم السر وأخفى: يعلم ما سوف نعمله من أعمالٍ صالحةٍ أو سيئة؟ بلى، فإذا كان يعلم ذلك: أليس الذي يعلم ما سيحدث في المستقبل قادرٌ على كتابة علمه؟ بلى، ولذلك يقول محمد بن سيرين رحمه الله: ما ينكر قومٌ أنَّ الله عز وجل عَلِمَ شيئاً فكتبه؟

نعم! عَلِمَ ما سيكون فكتبه وأملاه في اللوح المحفوظ، وليس معنى كتب: أوجب وألزم، بل: أملى علمه، فإذا كان الله قادراً على علم ما سيكون أليس قادراً على كتابة علمه، فأيُّ علاقةٍ بين هذا وبين إجبارك على المعاصي والعمل؟.

علم أنك ستذهب إلى الرياض ثم ستشتري خمراً، ثم ستدخل محلاًّ وستسرق، فكتب علمه ذلك في اللوح المحفوظ، فهل في هذا ما يُخالف العقل؟.

وخذ مثالاً لما اسْتشكلته من عذاب ونعيم القبر، وكيف يكون ونحن لا نرى أثراً عليه؟: قال شيخ الإسلام رحمه الله: والنائم يحصل له في منامه لذة وألم، وذلك يحصل للروح والبدن، حتى إنه يحصل له في منامه من يضربه، فيصبح والوجع في بدنه، ويرى في منامه أنه أُطعم شيئًا طيبًا، فيصبح وطعمه في فمه وهذا موجود.

فإذا كان النائم يحصل لروحه وبدنه من النعيم والعذاب ما يحس به والذي إلى جنبه لا يحس به حتى قد يصيح النائم من شدة الألم، أو الفزع الذي يحصل له ويسمع اليقظان صياحه، وقد يتكلم إما بقرآن، وإما بذكر، وإما بجواب.

واليقظان يسمع ذلك وهو نائم، عينه مغمضة، ولو خوطب لم يسمع فكيف ينكر حال المقبور الذي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يسمع قرع نعالهم، وقال: (…ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون). رواه البخاري.

ولا يجوز أن يقال: ذلك الذي يجده الميت من النعيم والعذاب، مثلما يجده النائم في منامه، بل ذلك النعيم والعذاب أكمل وأبلغ وأتم وهو نعيم حقيقي وعذاب حقيقي، ولكن يذكر هذا المثل لبيان إمكان ذلك.

فهذا قياسٌ وتسلسلٌ منطقيٌّ مفيدٌ جداً.

القاعدة الرابعة:  أن تعلم أنَّ العقل ضعيفٌ لا يتحمَّل أنْ يستوعب شيئاً فوق قدراته، فلو رجعنا للمثال السابق، وهو أنه لو قيل لرجلٍ قبل مِائتي سنة: سنريك الآن شيئاً نضعه في أيدينا يعرض لنا ما يحدث في الجهة المقابلة لنا من الكرةِ الأرضيةِ، وسنتحدث مع أناسٍ هناك، فهل سَيُصدِّقُ ذلك؟ لا يمكن، وسيراه من المحال، ونحن نراه الآن من أبسط البديهيات، فإيَّاك أنْ تسمحَ لعقلك أنْ يتشرَّب كلَّ شيءٍ، فلقد رأينا من فعل ذلك أصابته أمراضٌ نفسية، ووساوس قاتلة، أدَّت بكثيرٍ منهم إلى الانتحار، إنها نهايةٌ طبيعيةٌ لمن أعرض عن دين الله وشرعه الذي هو المناسب لطبيعة البشر.

والأمثلة كثيرة لمشاهير المثقفين الذين أنهوا حياتهم بالانتحار، وأنت لست أذكى ولا أكثر ثقافةً منهم.

وصدق الله تعالى: “وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً” (طه:124)

القاعدة الخامسة: أنَّ الله تعالى مع ذلك لم يمنعنا من الأسئلة عن أمورٍ غيبيةٍ كثيرة، بل شرحها ووضَّحها لنا، فإنْ جهلتها فاتهم عقلك، ولا تتهم ربك.

فهات ما عندك من إشكالاتٍ وأنا مستعدٌّ بعد طول هذه الجلسة بالإجابة عليها.

فقال: لم يعُدْ عندي شيءٌ، فقد أجبتَ عمَّا كان يجول في خاطري.

ثم نظرت إلى الساعة فإذا هي تجاوزت الثانية عشرة ظهراً، فتعجبت من سرعة انقضاء الوقت.

وقلت له في النهاية: ألَسْنا متوافقين بكلِّ شيءٍ تقريباً؟

قال: بلى.

قلت: فلمَ أُشيع عنك بأنك تُثِيرُ الشبهات والشكوك، فأنا لا أراك إلا مثل غيرك تماماً؛ فأشكرك على أخلاقك وقيمك وإنصافك.

صيانة العقل

قم بعمل صيانةً دوريَّةً لعقلك وفكرك، واجلس مع نفسك جلسةً صادقةً، وتأمَّل في أفكارك ومعلوماتك

وأنصحك نصيحةً أخيرة: أنْ تعمل صيانةً دوريَّةً لعقلك وفكرك، وذلك بأنْ تجلس مع نفسك جلسةً صادقةً، وتنظر فيما وصلت إليه، وتتأمَّل في أفكارك ومعلوماتك، ومدى اسْتقرارك النفسي، فكما أنك تفحص وتجري تحاليل لجسمك وعينك ومعدتك: بل كلُّ جهازٍ وهو جمادٌ تجري له صيانةً؛ كجوالك، وسيارتك، وحاسوبك؛ فعقلك وفكرك من باب أولى؛ فهي ليست رخيصة ولا مهملة إلى هذه الدرجة!.

ومن أعظم من يُعينك على ذلك: أنْ تستشير وتُصارح صديقاً مُخلصاً أميناً، أو شيخاً أو أستاذاً واعياً، فلا تحكم على نفسك بنفسك، ولكن انظر من هو أكبر وأعلم منك فخذ بنصحه ورأيه.

حوارات الإيمان و الإلحاد .. نتائج ومشاهدات

انتهى الحوار الطويل.. وقد خرجت في نهايته بنتائج من أهمِّها:

  • أنه ينبغي لطلاب العلم والمشايخ أنْ يُبادروا إلى من عنده شبهةٌ وخطأٌ لعلاج ما عندهم، وألا ينتظروا مجيئهم؛ فمجيئهم ومبادرتهم لصاحب الشبهة وحواره معه بجوٍّ لطيفٍ: سيؤثر عليه أشدّ التأثير، وسيلمس من المشايخ الذين يكرههم أو ينتقدهم الرحمة والمحبة والقرب، وكذلك سيزول عنه من الشبه الشيء الكثير.

ولْنأخذ مثالين من سيرة إمامنا و قدوتنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

المثال الأول:  جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَته، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ رأوها قليلةً، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». متفق عليه

تأمل: (فَجَاءَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ): فيه دليلٌ صريحٌ على اسْتحباب مجيء العالم والداعية بنفسه للنصح والتوجيه، وأنه لا ينتظر مجيء الْمُخطئين، بل يُبادر إليهم، ويوضح خطأهم، ولا يكتفي بإنكار المنكر والخطأ علانية، بل يتَّصل على من فعل ذلك، أو يذهب إليه ويُناقشه.

والمثال الثاني: يقول عَبْدُ اللَّهِ بْن عَمْرٍو رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ، وَصَارَتِ الوِسَادَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ. ثم بدأ يُناقشه ويُحاوره ويُقنعه بعدوله عن رأيه. متفق عليه

  • أن الكثير من أصحاب الشبهات، أو ما يُقال عنهم علمانيين، أو ملحدين: شبهاتهم ليست معقدةً صعبة، وليست هي ممَّا يصعب حلُّها وعلاجها، ولكنهم لم يجدوا أحداً يكون قريباً منهم، ويأخذ شبهاتهم واحدةً واحدة، فيُناقشها بحكمةٍ ورويَّة.
  • أنَّ بعض من يُخالفنا قد لا يختلفون معنا في الجوهر والأصل، وإنما لعدم جلوسنا مع بعض، واسْتِماعنا إلى أطروحاتهم، وإيرادهم لشبهاتهم: اعتقدنا أنَّهم يختلفون معنا اختلافاً جذرياً، فصاحبي هذا: قلت له في النهاية: أنا لا أراك تختلف معي في شيءٍ واحدٍ، وذلك بعد أن سمعت منه، وشرحت له المعنى الصحيح لما يستشكله.

_______________________________

المصدر: بتصرف عن مقال: قصتي مع المشكك في الدين http://bit.ly/1XPwoSk

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: