على ساحة الإنترنت.. عصابات الإلحاد تُسيطر!!!

مريم جميلة.. حفيدةُ إبراهيم الخليل!

مريم جميلة

السيدة مريم جميلة

إن أقدار الله في خلقه عجيبة، وتصاريفه مدهشة، وهدايته لخلقه تحار فيها العقول، ولا تدركها الأبصار، فمهما أراد من شيء حصل، وإذا قدر شيئاً وقضاه لا بد من وقوعه كما أمضاه، سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون.

كانت هذه مقدمة لا بد منها للحديث عن مريم جميلة، تلك اليهودية الأمريكية التي هداها الله تعالى للإسلام في سياق عجيب، وجذب مدهش، وفي زمن لم يكن فيه للإسلام رواج، ولكنها الهداية.. لا تعرف الحواجز، ولا تقف دونها العقبات، وتنفذ إلى القلوب نفاذ الشمس إلى الأرض، وتسري إلى العقول سراية الضياء إلى الظلام.

ولدت هذه المرأة العظيمة في نيويورك عام 1934، لأبوين يهوديين من أصل ألماني، واسمها كان (مارجريت ماركوس)، وقد شاء الله العليم الحكيم أن تُوْلَد على الفطرة، سليمةَ الطبع، تتقزز ناشئةً من الخمر والأمراض الخلقية التي كان يستغرق فيها المجتمع الأمريكي الذي وُلِدَت ونشأت وترعرعت وشبّت فيه في حضن والديها اليهوديين أَلْـمَانِيِّ الأصل المتوطنين بمدينة «نيو روشيلا» (New Rochella) بولاية «نيويورك»، معجونةَ الطينة بالبحث عن الحق، والانتصار له، والتعطش للتوصّل إليه، فالاقتناع به، واحتضانه والتوفّر عليه، والانقطاع إلى الدفاع عنه وتأكيد حقيّته، بكل ما أُوتِيَتْ من المُؤَهِّلات، وأُكْرِمَتْ به من ربّها من المواهب غير العاديّة والقدرات المغبوطة للدراسة والمقارنة والتحليل وغربلة الحق والباطل ومعرفة الأوّل من الآخر.

كانت في طفولتها تحضر الدروس التي تقيمها مدرسة الأحد اليهودية..وتسمع الحاخام وهو يخبرهم بأن العرب واليهود هم أولاد إبراهيم الخليل ـ عليه وعلى نبينا أفضل الصلوات وأتم التسليم ـ فصارت تتمنى أن تذهب إلى فاسطين لرؤية أولاد عمها والاجتماع بهم، ثم صدمت بعد ذلك يوم رأت أبويها يحتفلان بقرار التقسيم سنة 1947، ويجمعان التبرعات لإقامة الدولة المسخ، ثم يحتفلان بانتصار اليهود سنة 1948، فصارت تناقش أبويها بقوة في إقامة دولة اليهود على أحزان العرب وآلامهم، فعجبا من كلامها!

مريم جميلة.. رحلة مقارنة بين الديانات

البهائية

عكفت مريم على دراسة المسيحية فلم تقتنع بها؛ لأنها رأتها غير قادرة على إقناع العقل وإشباع الروح والنفس، كما درست البهائيّة في ضوء مصادرها التي توصلت إليها، فعلمت أنها أشدّ تخلخلاً من المسيحية

مالت منذ وقت مبكر من مشوارها الدراسي إلى الدراسة المقارنة بين الديانات؛ لأنها كانت غير مرتاحة إلى ديانتها اليهودية، بل كَرِهَتْها عاجلاً، ولا سيّما لأنها لمست مدى الاعتداءات الصارخة التي ظلّ اليهود الصهاينة يصبّونها على العرب الفلسطينيين، فرَقَّتْ لحالهم، واشتدت في قلبها الكراهية نحو بني ديانتها اليهود؛ لأنّها علمت عن دراستها المبكرة لليهودية والإسلام أن العرب أبناء العمّ لليهود؛ حيث إنهم أبناء إسماعيل بن إبراهيم واليهود أبناء إسحاق بن إبراهيم. والشعورُ بعدوانية اليهود هو الذي دفعها إلى كتابة «الرواية» التي أسمتها «أحمد خليل» ونسبتها إلى المناضل الفلسطيني الحاج المفتي أمين الحسيني رحمه الله (1311-1394هـ = 1893-1974م) وكانت هي مُؤَلَّفها الأول الذي ألفته في 12-14 من عمرها، مما يدلّ على نضجها العقلي والفكري المبكر.

     بعد ما اشتدّت كراهيتها لليهودية عكفت على دراسة المسيحية فلم تقتنع بها؛ لأنها رأتها غير قادرة على إقناع العقل وإشباع الروح والنفس، كما درست البهائيّة في ضوء مصادرها التي توصلت إليها، فعلمت أنها أشدّ تخلخلاً من المسيحية؛ فانقطعت إلى دراسة دين الله الإسلام، وعكفت على اقتناء المصادر الإسلامية التي تيسرت لها آنذاك.

واصلت مريم دراستها الجامعية في جامعة نيويورك -كلية الآداب-، لكنها مرضت فانقطعت عن الدراسة سنتين، وتناوشتها الوساوس في مرضها من كل جانب حتى كادت تلحد، لكن الله تداركها برحمته ودفعها لمزيد من القراءة والاطلاع، والعجيب أنها استطاعت بهمتها ودأبها أن تتصل بشخصيات إسلامية رفيعة القدر في عصرها، فقد أرسلت للبشير الإبراهيمي في الجزائر، وسعيد رمضان في جنيف، ومعروف الدواليبي في سوريا، والأستاذ سيد قطب في سجنه بالقاهرة رحمة الله عليهم جميعًا.

وظلّت تبحث عن أعلام علماء الإسلام الذين علمت بنحو أو آخر أنهم مؤهلون لإقناعها بحقيقة الإسلام والرّد على التساؤلات والخلجات التي تدور في ذهنها نحو الديانات حتى تصل إلى الحقيقة..

حتى كان عام 1959م نقطة التحوّل في حياتها، حيث اشتدت رغبتها في الإسلام، وتكونت لديها فكرة عامة تمكنها من الدخول فيه، وراسلت العلماء والمفكرين الإسلاميين عن تخطيط وانضباط، بمن فيهم الكاتب الإسلامي السيد أبو الأعلى المودودي (1321-1399هـ = 1903-1979م) الذي تعرفت عليه من خلال كتاباته التي كانت تُنْشَرُ – مُتَرْجَمَةً من الأردية إلى الإنجليزية –عبر بعض الصحف والمجلات الصادرة في بعض البلاد الأوربية والإفريقية. وحصلت على عنوانه بباكستان، وراسلته، ولم تكن فعلاً قد دخلت في الإسلام بعدُ، وإن كانت قد آمنت أنه هو الحق وحده من بين الديانات التي تعرفت عليها؛ ولذلك فإن السيد أبا الأعلى المودودي فاتحها في خطابه إليها المُوَجَّه إليها من باكستان في 21/يناير 1961م بـ«السلام عليكم» وقال لها فيها: “إنك قد أسلمتِ في الواقع؛ لأنّك تؤمنين بأنّ الله واحد لا شريك له، وأن محمدًا نبيه، وأن القرآن كتابه، ولذلك فإني أعدّكِ مسلمة”.

 على ظهر سفينة بضائع!

    

سفينة

لم تملك مريم من النقود ما تسافر به من أمريكا إلى باكستان بالطائرة، فحجزت مقعدًا لها في إحدى بواخر البضائع، وركبتها عام 1962م إلى «كراتشي» التي استغرقت رحلتها إليها شهرًا!

وأخيرًا حطّت الرحال في دين الإسلام؛ حيث اعتنقته عن اقتناع كامل ودراسة واعية على يد إمام مسجد «بروكلين» الشيخ «داود فيصل» في 24/مايو 1961م، وتسمّت بـ«مريم جميلة» وعزمت أخيرًا على اللجوء إلى باكستان مغادرةً مسقط رأسها؛ حتى يسهل عليها إظهار التعبد بالدين الذي آمنت به، ولا يعترض شيء طريقها إلى العمل به وتطبيق أحكامه على نفسها.

     وكانت لا تملك من النقود ما تسافر به من أمريكا إلى باكستان بالطائرة، فحجزت مقعدًا لها في إحدى بواخر البضائع، وركبتها عام 1962م إلى «كراتشي» التي استغرقت رحلتها إليها شهرًا!

أقامت “مريم جميلة” في ضيافة أسرة الشيخ المودودي لأكثر من عام قبل أن تتزوج في عام 1963 من السيد يوسف خان الذي أنجبت منه ابنين وثلاث فتيات.

ومن اللطيف في قصة زواجها أن السيد يوسف خان كان متزوجا بأخرى وله منها أربعة أبناء قبل زواجه من “مريم جميلة” غير أن تلك الزوجة صاحبت مريم صحبة طيبة وعاشرتها بالمعروف وساعدتها على تربية أبنائها، بل إنها تعهدتهم بالرعاية حتى استطاعت مريم الانكفاء على الدراسة والمطالعة والتأليف وكتابة المقالات والدراسات فقدمت للأمة “38 كتاباً بالإنجليزية تمتاز بالأسلوب الكتابي الرائع، والطرح الشيق، وقوة الاستدلال والاستنتاج، وحسن الصياغة، وعذوبة اللغة، وقد ترجمت معظم كتبها للعديد من اللغات”، ولعل من أبرز ما كتب عنها باستفاضة.. كتاب “رحلتي من الكفر إلى الإيمان” للدكتور محمد يحيى.

عاشت “مريم جميلة” في كنف الإسلام حياة راقية متناسقة صافية، أبدعت فيها بالفكر والقول والعمل، وضربت أروع الأمثلة في صدق الغاية، وعُلو الهمة، ونبل المقصد، وكانت نموذجا حيا على قدرة المرأة المسلمة على الوصول بكلماتها ومبادئها للملايين حول العالم ولو لم تفارق منزل زوجها..

 رحلت “الجميلة” عن عالمنا الأربعاء: 14/ ذوالحجة 1433هـ = 31/أكتوبر 2012م بمدينة لاهور بباكستان، ودفنت بجوار ضرتها «شفيقة» عن 78 عاماً.

رحمها الله رحمة واسعة، وبوأها من الجنة منزلا…

_____________________________

المصدر: معظم نصوص المقال مستقاة (بتصرف يسير) من عدة مصادر أبرزها مقالي:

* إسلام مريم جميلة اليهودية الأمريكية، د. محمد موسى الشريف، موقع قصة الإسلام

* الداعية والكاتبة والمفكرة الإسلامية المهتدية «مريم جميلة»، مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم،  ديوبند، ربيع الأول 1434 هـ = يناير ، فبراير 2013م ، العدد : 3 ، السنة : 37

* إلى جانب الإضافات الخاصة بالمحررة

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: